مرثية محمد عبد الفتاح الجبالي
بقلم: د/ عصام فوزي الجبالي
رحمة الله عليك يا رفيق الدرب وابن العم محمد
عبد الفتاح الجبالي ابو ربيع يا ( طارق الجبالي ) كما احب ان اسميك بالاسم
الاقرب الى وجدانك اسمك العسكري والذي اسقط الرعب فيمن سمعوه.
تزاحمت الذكريات بشكل متسارع عندما نزل خبر
وفاتك على قلبي ووضعني بهذيان اللحظة فتذكرت عندما جلسنا في بيروت وكنا قد خضنا
جميع معارك الجنوب وصولا الى بيروت على ضفاف البحر وقلت لي ( ونحن يا ابن العم من
يكتب قصتنا ) وممنوع تذكر اسماءنا ولا هويتنا ولا اسم وحدتنا .قلت لك حينها
لن نخرج من بيروت احياء فلا يهم الميت قصته و بدأت استرجع تفاصيل وتفاصيل وجودنا
معا.
لقد علمتنا يا رفيق الدرب كيف نصبو
للمجد فنصنعه وكيف نبني الوطن فينا ، وانتزعت الانا الفطيرية من ثوابت
تكويننا وعلمتنا كيف ننتزع قلب جندي صهيوني متكبر متجبر وهو ما زال ينبض
ونقدمه قربانا دون تردد لكل ام شهيد
رحمك الله يا ابو ربيع
لقد كانت فلسطين لا تسكنك، كنت تسكنها
وتّسكنها فينا قصرا دون كلل او ملل او لحظة سكون ، متعففا دائما عن مفاتن
هذه الدنيا ، كيف لا يا رفيق الدرب فقد فتنتك صاحبتك الاولى فلسطين ،حتى
انها لن تتوارى ولن تستتر ولن تنتزع منا حتى بعد ما يفنى الوجود.
شاركتك معظم معاركك الشرسة من الجنوب
اللبناني مرورا في بيروت وصولا الى البقاع. رأيت كم كان الرعب يعتلي وجوه الصهاينة
عندما يعلموا انهم في مواجهة مع ( قوات اسناد الداخل) لجبهة الديمقراطية
وطبعا يقود العملية ابو ربيع ( طارق الجبالي) كم كنت جسورا يا رفقي وكم كنت عطوفا
عندما تنظر الى جراحية السطحية او العميقة وتقول لي بلغة فلسطينية ممزوجة مع
عبق فوسفات الرصيفة ( أي هذه اصابة هذا خدوش) وتختلس النظر على ما يجري لتطمئن كرر
بعصبية مصطنعة ان متت ( وين بدي اودي وجهي من ابوي وعمي ابوزياد عمي سليم وعمي ابو
نبيل و كل كوم وعمتي ام زياد كوم) .
رحمك الله يا ابو ربيع
يا رفيق الدرب انك بطل المعارك الكبرى والتي
استتر صداها خلف التسويات الكبرى ،معارك لم يتصدى لها الا الذين لا ترتحل ولا
تترجل فلسطين من قلوبهم وعقولهم ارثيك فلسطين: الحزن اليوم عنوان
بطولة
كيف تركتني يا رفيقي من سيذكر معارك (
صيدا والنبطية وبنت جبيل ومرج عيون وخلدا ومحور المتحف والمزرعة ومعارك الجبل و بر
الياس وحوش الحريم.
رحمك الله يا ابو ربيع
اتذكر يا رفيق الدرب كيف اقبلت مبتسما
ابتسامتك الطفولية المعهودة رغم خشونة تقاسم وجهك والتي اسقطتها عليك المعارك
اليومية وكثرة الشهداء، عندما وقلت لي ولشهيد البطل (احمد المجالي) اعطيت بدلة
عسكرية لقائد سرية (عربي طبعا)، ليسمح لنا في استكمال مسيرتنا والذهاب خلف خطوط
العدو في معركة ( تلة الصعلوك ) والتي ابدع فيها الشهيد احمد المجالي اتذكر
احتفالنا بالاشتباك الاول للشهيد (احمد المجالي ) وقد كافئنا ابو كمال وصرف لنا (
سردين مع فلفل) وسلم لنا سلاح جديدة كلاشينكوف يوغسلافية اسود اللون اخمس
حديد ولم يعطي الشهيد (عفيف اللبناني) مبقيا معه سلاحه القديم مبررا ذلك ان عفيف
اللبناني متخصص بالاتصالات .
اتذكر ذلك الصباح الجهنمي عندما استفاق
المرحوم احمد المجالي ووجد ان سلاحه الجديد غير موجود ، واتهم المتطوع اليمني (ابو
صفر) وكنا قد داعبنا عملاق الكرك الشهيد البطل احمد المجالي وضحكنا حتى الثمالة
كيف ارتعب عفيف من غضب (احمد المجالي) عندما قال له بلهجة (كركية هاي شرفي وله ما
بلتعب فيه) كان الموت في كل زاوية ومفصل ولم يعبا هذين العملاقين استشهدا معا
تجانبوا الاكتاف بعد ان جاءت تعزيزات صهيونية ضخمة اشتكرت بها مروحيات فب
معركة راس المتن 1/4/ 1983 لقد ادرت هذه المعركة يا رفيقي بكل تفاصيلها
برباطة جائش وصبر رغم الخسائر واستشهاد احمد وعفيف ومن ثمة اصبت انا بخاصرتي ،
وكمال برجله وانت تقاتل حتى تؤمن لنا الانسحاب ، وفي اليوم التالي لم تستطع انت
والرفيق مهند اعادة الجثة لان الصهاينة شيكوها بمتفجرات ، كانت معركة قاسية على
قلبك وقلبي من الناحية الانسانية ، بفقدان رفاق سلاح وخاصة احمد الذي كان صديقا في
الدراسة والعسكر ، شاركونا كل شيء .
رحمك الله يا ابو ربيع
وعدتك بان اروي قصة احمد وقد عاتبتني
يا رفيق الدرب لما لم اشارك في رنامج يروي قصة احمد المجالي على فضائية رؤيا
الاردنية انت والصديق الفنان كمال خليل. سأوفيك وعدك يا صديقي. وعهد مني يا رفيقي
امام الله ان اعمل كل جهدي لا خرج هذه الكويكبة الرائعة من غياهب
النسيان ليعلم القاصي والداني كيف صنعت رجالا وكيف كانوا سأعمل على سرد
تفصيل ممل عن اضخم عملية سنة 1982 وهي عملية الباص في عمق اسرائيل والتي لم ينجوا
منها احدا سواي بمعجزة وقتل فيها "54 من جنود العدو وكيف تم المساومة
على نتائجها مع الاطراف كافة السوريين والصهاينة وقيادة المنظمة لتسليم هويات
الجنود الصهاينة والتكتم على نتائج العملية مقابل بعض الافراجات عن بعض معتقلينا
في سجن انصار ، كانت العملية من تخيطك انت و فلان ما زال حي وعن دور الدروز
في قرية مجدل شمس في انقاذي سنروي قصتنا كما وعدتك اثناء حملة الحاج لطفي اعدك.
كنت قائدنا ومدربنا وصنعت ابطال
قادوا اعتى العمليات ضد القوات الصهيونية ، وكان كل خريج من أكاديمية ابو ربيع (
طارق الجبالي) العسكرية مطلوبا في جميع الوحدات الخاصة لما زرعت فينا من شجاعة وحب
واقدام .
رحمك الله يا ابو ربيع
انا..... من يعلم من انت .. يا رفيق
الدرب كتوم وعطوفا صلبا وحنونا متوازن
اذكر كلماتك الاولى عندما التقينا لأول مرة
اثناء التحضير لمعركة في مخيم عين الحلوة نظرت الي في دهشة ودفعتني جانبا وقلت لى
.....اانت ولك عصام ابن عمي ابو نبيل... قلت لك اسمي (امبوسيبل) قلت لي (( بلا
امبوسيبل بلا خ...روح ارجع اكمل دراستك يا ح.. في روسيا ولك هاي الوحدات الخاصة
واليهود مش مصلين على النبي.. هون يا شهيد يا اسير يا مجروح وانت كلك
قد اللقمة وتدرس .وقد تناسيت عن قصد انك كنت تدرس وانك طالب في احدى الجامعات
الكوبية.
انني اذكر ذلك جيدا كان يحيط بمحياك هالة
يتجمد المرء عند رؤيتها ويتجذر في مكانه. علك تقبله بان يكون بمحيطك الفلسطيني غير
المساوم فهنا الفرصة الاكبر لانتزاع قلب صهيوني وهو ينبض .
رحمك الله يا ابو ربيع
انه محمد عبد الفتاح الجبالي ابو ربيع
( طارق الجبالي) رحل هناك وكان هناك ....ومازال... انني احسده ..
فمهما كان هناك يا رفيقي خلف تلك السماء الزرقاء ....سيكون ارحم بك.. من السلخ
الانساني البطيء لما تبقى من جسدك.. والذي يحاول ان يقتل فيك تاريخك.. ويلوي رقبة
البطولة .. ليضعه بمعاير كمية مقيتة ويسال ...من انت وكم تساوي .. وماذا يعنيني
بطل انقذ مخيم ... وجيوبه فارغة ..ارحل من هنا
رحمك الله يا ابو ربيع
كان هناك ....ومازال... يبلغ السلام الى كل
رفاق الدرب عمالقة .. (اسناد الداخل) لجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ... المنسية
وهم حتى لا ننسى الشهداء
( احمد المجالي وعفيف اللبناني وابو صفر
اليمني وكمال الغزاوي وابو النسور الاردني وربيع الاسمر وليث العراقي وابو كفاح
الحلبي ومحمد نور وطرزان اليافوي ومهند ابو إجر ، و جيفارا الياباني وسيف الله
المقدسي والممرضة ...هاله الشخشير. وتسعون شهيدا من الطلاب الذين التحقوا في صفوف
اكاديمية ابوربيع. (طارق الجبالي للقوات الخاصة ).
اضع اسمائهم الحركية او الحقيقية فلا
يهم بين يديك ايها الرفيق و المدرب والقائد الشهيد عل التاريخ يذكرهم ...
فقد اخفيت اسمائهم قصرا... اطمئنوا لن يعتقلهم احدا فجلهم في جنة المقام . بين يدي
العدل المطلق.
رحمك الله يا ابو ربيع
كان هناك ....ومازال يطمئن على الشهداء
ويقول لهم لا تقلقوا سيلتحق بنا ، ( امبوسيبل) (عصام الجبالي) قريبا
فقد التهمت الخمرة نصفه احشاءه والنصف الاخر تعلمون فقد التهمه الرصاص والقنابل
ورائحة الموت، ولم يتبقى منه ذاكرة .. والواقع العربي ضاغط على صدره يمزق الروح
فيه ، اوكد لكم انه لن يصمد.
رحمك الله يا ابو ربيع
حتى رحيلك يا رفيقي غلفته قسوة هذا الزمان
فلم تدفن في مدين الرصيفة ولم يتسنى لكل من حبك ان يودعك
" طارق " رفيق الدرب الشائك الى
فلسطين والممتلئ برائحة الدم و المعتقلات والسجون الحرمان والتضحية الخفية التي
كنت تكبتها في صدرك الندي ، وتحكم السيطرة عليها حتى تلاشت من مفردات تقييمك حتى
في قاموس اقرب الناس اليك.
وضعتها في رموز بأسماء اولادك (ربيع وانصار و
وحيد) ،لعلها تتجلى يوما، لكنك نسيت اني انا .. من يعرفك .. وقادر على فك رمزية
آلامك .
فربيع: هو اسم صديقك و رفيقنا الذي استشهد
معنا في بيروت الغربية ( ربيع الاسمر) والذي لم يتسنى لك وداعه،
اما انصار: هو اسم المعتقل الصهيوني والذي
كان يضم عدد من المقاتلين من وحدة اسناد الداخل التي كنت تقودها ،
ووحيد: تعبير عن وحدتك الذاتية بكتمان اسماء
الشهداء والمعتقلين لحساسية الوحدة العسكرية التي كنت تقودها . انا من عرفك يا
رفيقي ليس لا نني مميز ولكنني كنت معك " جنرال " واطلعتني على الكثير
تحسبا ان تستشهد وتدفن معك
كل هذا الكم الهائل من المعلومات المكبوتة في
صدرك لا يحتمله بشر
هاله
اتذكر عندما استشهدت هاله ودفناها سويا في اليل
وانتظرنا 3 ايام حتى يخفت ضوء القمر عن قرية حوش الحريم في البقاع وهي نائمة
كملاك مبتسم يذوب الثلج عنها ولا تذوب، كم كانت تلك الايام طويلة وكم كرهت
القمر فلا يريد ان يستتر وكانه يقول لنا غطوا وجهها ، حتى اغدر، دفناها في اليوم
الرابع ،على اطراف مزرعة ،اذكر الموقع تماما . قرانا على روحها الطاهرة الفاتحة .
وتسلسنا من بين الاشجار والكمائن طوال اربعة ساعات ولم نقول كلمة واحدة عائدين الى
الرفاق في في قرية " لوسي " اللبناية عندها كنت اتقمص دور الصلب واتنكر
بالصلابة لكنها لم تغب عن تفكيري ولو لمرة واحدة طوال هذه السنين وكانت هذه
الحادثة عبء هائل جاثم على صدري وطوال الثلاثة ايام وانا مرتعب خائف رغم ما بدوت
عليه من تماسك. رغم اننا دفنا عشرات الشهداء من قبل ولم اكن اعبأ لذلك.
كنت أتساءل هذه الرفيقة التي قاتلت ببسالة في
دفاعها عن فلسطين ،وخاضت معنا اشرس المعارك ، واستشهدت وهي تنقذ الجنود السورين
بعد قصفهم من قبل الطياران عام ا982 لماذا تدفن سرا ويدفن معها سر بطولتها ؟؟؟؟؟
لملمت ما بقي لي من شجاعة وقلت يا طارق
شو السبب فقال باختصار شديد وحزمه المعهود "اشي ما بخصك ".
بعد رحيلك علمت كم كان قرارك صائبا وهذا سأتطرق له في والوقت المناسب ،هذا جزء من
فيض وكل ذلك لم يثنيك عن مواصلة النضال بنفس الثبات ولم ينل منك .
انني اعرف يا صديقي من قتلك :
انه ما قابلك به هذ الكون وهذه الدنيا
البغيضة من تنكر واجحاف وان العالم والناس وكل مكونات الارض قد تنكرت لحبك الاول
فلسطين وسحقتها وتلاشت من قواميسها من عقول ومكنونات البشرية ، وهي سبب وجودك
ومحركك الحقيقي هذا ما جثم على صدرك وعقلك وقتلك يا رفيق السلاح ببطء.
" في حديث جانبي عند اطلال شركة
الفوسفات قلت لي اني اكره ان ارك تشرب فقلت لك اعلم ولكنك لم تقل ذلك من قبل ،
نظرت الي وقلت بحذر اعرف انك صلب ،ولكنك اذا استعدت وعيك ونظرت من حولك سيذهلك ما
سوف تراه لن تصمد".
فكيف اصمد من بعدك يا رفيق الدرب لن
اصمد لان القتال في سبيل فلسطين والاقصى اصبح جنحة لا تغتفر .
فالنفير الان يا رفيق الدرب تنبعث منه رائحة
الكاز. بوصلته تعز ومارب وصنعاء ودمشق وحلب والرمادي وبغداد وطرابلس وبنغازي
وووووالخ. لا احد يعلم من يقاتل من ومن اجل ماذا و قلبك النابض فلسطين خارج
معادلاتهم
اه اه اه يا رفيق الدرب لم يستطع كل
طغاة العالم ان ينتزعوا فلسطين منك....لو يعلم هذا العالم القبيح مدى جمالك وانت تقاتل
دون ذره خوف او وجل... لركع بين ذراعيك وغاب شيئا فشيئا حتى يتوارى خجلا ويتحول
الى قزم غير مرئي ينتظر القيامة خوفا من انبعاث مفردات سلاحك.
لكنني يا رفيق السلاح لن اموت قبل ان انصفك
واعرف كل الكون من انت وسأقول كل ما عرفته وخبرته معك ،وامنتني عليه ، وسوف انصف
هاله فقد رحلوا جميعا وبقيت وحيدا .... دون وجود ولا ذكرى . هذه هي مهمتي الاخيرة
والتي اوكلتها دون ان تعطي الاوامر هذه المرة ، من اجل كل من كانوا وضحوا معك و
رحلوا رغم ما صنعوه من معجزات لم يسمع بهم احد .
انني يا رفيق الدرب على يقين بان الابدان ستقشعر
عندما تعرف كم كانت هذه الحياة، دنيئة ،خسيسة تخلوا ولو بالحدود الدنيا من العدل و
الانصاف، اخر قصوتها عليك وعلينا في رحيلك فقد رحلت وانت في الغربة القصرية ،وشيعت
وحيدا ، و دفنت بعيدا عن مدينتك الحبيبة الرصيفة ولم اواكب نعشك ولم اودعك .. لا
غرابة في ذلك فالغموض من سماتك الدائمة. رغم ذلك زينت هذه الدنيا لكل الناس، وهي
تنهشك ببط وبتدرج حتى قتلتك بسكون يشبه سكونك ...وقتلتنا للمراة الف معك .
اه اه اه يا ابو ربيع يا محمد عبد الفتاح
الجبالي لم يبقى لي احدا يذكر، وغبت دون انذار مبكر وادخلتني في نفق اجباري
خاضع لكل احتمالات الارض .
اه يا رفيق الدرب ارثيك اليوم ومن يرثيني غدا
لم يبقى احد وكنت ذاكرتي الحية الوحيدة فكيف تتركني
دون ذاكرة ........
بقلم / عصام فوزي الجبال
